الشيخ محمد هادي معرفة

52

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

فإذا ضبطت تلك المحاضرة بكاملتها مع ما تخلّلها من كلام - كما إذا سجّلت على شريط - لم يعرف من لاعلم له بالواقعة ، وجه المناسبة في سياق هذا الكلام . ولكن من علم ذلك عرف أنّه حسن الترتيب . « 1 » 2 - ظاهرة الالتفات ومن سورة يس ، تجد فيها بديعة الالتفات بيّنةً : « إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ . سَلامٌ ، قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ . وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ - إلى قوله - : هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ . الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ . . . » . « 2 » فأوّلًا كان الكلام عن أصحاب الجنّة بصورة غياب . ثمّ تحوّل إلى صورة خطاب بالسلام عليهم ذلك اليوم . وفجأةً تحوّل الخطاب إلى المجرمين - إلى قوله - : « كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ » . لكنّه رجع إلى صورة الغياب في قوله : « الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ . . . » . وهذا النوع من التداور في الكلام لا يحسن في الكتابة ، ويكون بديعا في الخطاب . وفي سورة الفتح : « لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً . وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً . وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها . . . » . « 3 » بدأ بالكلام عن المؤمنين غيابا في خطاب موجّه إلى النبيّ ، وفجأةً تحوّل إلى الخطاب مع المؤمنين أنفسهم .

--> ( 1 ) - التفسيرالكبير ، ج 30 ، ص 222 - 223 . ( 2 ) - يس 55 : 36 - 65 . ( 3 ) - الفتح 18 : 48 - 20 .